الشريف الرضي
292
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
كانوا في صدر الاسلام يتجنبون مخالطة اليتامى تحرجا فيهم وإشفاقا على دينهم ، فلا يأكلون لهم طعاما ولا يلبسون لهم ثوبا ، حتى أن الرجل منهم كان لا يستظل بجدار اليتيم احترازا لدينه واستظهارا ليقينه . وقيل : إن ذلك إنما فعله المسلمون وأخذوا أنفسهم به لما أنزل سبحانه : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا 10 ) ، فتجنبوا حينئذ مخالطة اليتامى واستنكاح النساء منهم ، وعزل كل من كان يربي يتيما ويكفله ، ذلك اليتيم في بيت أفرده به ، وأخدمه خادما منقطعا إليه ، فشق على المسلمين عزلة اليتامى وترك مخالطتهم وتجنب مطاعمتهم ومشاربتهم ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فنزلت : ( وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى . . . الآية ) وقد تأول العلماء معناها بعد هذه المقدمة التي [ 1 ] قدمناها على وجهين : أحدهما ، أن يكون المراد بذلك فان كنتم تتحرجون من مخالطة اليتامى مخافة ألا تقسطوا فيهم فتحرجوا من الجمع بين النساء من غير أن تعدلوا بينهن ، لأن النساء في حجور الأزواج ، كما أن اليتامى في حجور الولاة ، فالجامع بين البابين الحجر ، فقيل لهم : أقلوا من الجمع بين النساء لتتمكنوا من العدل ، بينهن ، كما تحبون أن تعدلوا بين اليتامى ، فانكحوا ما طاب لكم منهن ، فوصل النكاح بالخوف [ 2 ] لهذه العلة ، وذلك أن أحدهم كان يتزوج الجماعة من النساء ، ثم لا يقسم منهن إلا لبعض دون بعض ،
--> ( 1 ) في النسخ : ( الذي ) والصواب ما أثبتناه . ( 2 ) اي وصلة الجزاء بالشرط .